الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
618
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وبصره ونفسه التي بين جنبيه ، فيكون إلهه الحق ، ومعبوده أحب إليه من ذلك كله . والشيء قد يحب من وجه دون وجه ، وقد يحب لغيره وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا اللّه وحده ، ولا تصلح الألوهية إلا له تعالى . والتأله هو المحبة والطاعة والخضوع . ومن علامات الحب المذكور لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يعرض الإنسان على نفسه أنه لو خير بين فقد غرض من أغراضه وفقد رؤية النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - أن لو كانت ممكنة ، فإن كان فقدها أشد عليه من فقد شيء من أغراضه فقد اتصف بالأحبية المذكورة لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ، ومن لا فلا . قال القرطبي : كل من آمن بالنبي - صلى اللّه عليه وسلم - إيمانا صحيحا لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة ، غير أنهم متفاوتون ، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى ، ومنهم من يأخذ بالحظ الأدنى ، كمن كان مستغرقا في الشهوات محجوبا في الغفلات في أكثر الأوقات ، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - اشتاق إلى رؤيته بحيث يؤثرها على أهله وماله وولده ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة ويجد رجحان ذلك من نفسه وجدانا لا تردد فيه . وقد شوهد من هذا الجنس من يؤثر زيارة قبره ورؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكر ، لما وقر في قلوبهم من محبته ، غير أن ذلك سريع الزوال لتوالى الغفلات ، انتهى . فكل مسلم في قلبه محبة اللّه ورسوله ، لا يدخل في الإسلام إلا بها ، والناس متفاوتون في محبته - صلى اللّه عليه وسلم - بحسب استحضار ما وصل إليهم من جهته - عليه الصلاة والسلام - من النفع الشامل لخير الدارين والغافلة عن ذلك . ولا شك أن حظ الصحابة - رضى اللّه عنهم - في هذا المعين أتم ، لأن هذا ثمرة المعرفة وهم بها أعلم . وقد روى ابن إسحاق - كما حكاه في الشفاء - أن امرأة من الأنصار قتل أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقالت : ما فعل رسول